الغزالي

311

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

58 - باب : في بيان غرور الدنيا جميع أحوال الدنيا مصروفة إلى ما يسوء ويسرّ ، فليست مساعدة لجميع أهلها ، وإنما هي متلوّنة ، على ما اقتضته حكمة الحكيم . قال سبحانه : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ « 1 » . قال بعض المفسرين : مختلفين في الرزق ، يريد اختلافهم في الغنى والفقر . فمن الواجب على من ساعدته دنياه وأخدمها له مولاه ، أن يتلقى ذلك بشكره ، ويتوجه إليه بصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء ، ولا يغتر بدنياه وكفى بقوله تعالى : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ « 2 » . وقوله تعالى : وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ « 3 » الآية . تنفيرا عن الغرور بها . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبّذا نوم الأكياس « 4 » وفطرهم ، كيف يغبطون سهر الحمقى واجتهادهم ، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين ، أفضل من ملء الأرض من المغترّين » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » . وقال الشاعر : ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه * فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقال آخر :

--> ( 1 ) سورة هود ، الآيتان : 118 ، 119 . ( 2 ) سورة فاطر ، الآية : 5 . ( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 14 . ( 4 ) الأكياس : العقلاء مفردها كيّس .